الجمعة، 3 فبراير 2017

التّحدّي*** بقلم مصطفى الحاج حسين

  • التّحدّي ...
  • قصة : مصطفى الحاج حسين .
  • كان عائداً من عمله ، منهكاً لا يقوى على
  • جرّ نفسه ، فتحت له "مريم " الباب ، وهتفت
  • بفرح واضح :
  • - " رضوان " .. أنا أعرف كتابة اسمي .
  • ظنّها تهلوس، فهي أمّيّة مثله ، فسألها ساخراً
  • - وكيف تعلّمتِ الكتابة ياعبقريّة ؟.
  • - من " سميرة " ، هي التي علّمتني . 
  • خفق قلبه ، أمعقول هذا ؟! .. هل يمكن
  • له أن يتعلّم ، وهو ابن الثانية عشرة ، وبرقت
  • في ذهنه فكرة ، سرعان ما كبرت ، قبل أن 
  • يخطو عتبة الغرفة :
  • - (( سأعرض على " سامح " أن يعلّمني ، سأرجوه إن رفض . سأشتري له " البوظة "))
  • وفجأة .. شعر برغبة عارمة ، في رؤية
  • " سامح " ، قرر أن يذهب إليه حالاً ، وقبل
  • أن يغسل يديه ووجهه من الغبار والعرق ، ودون أن يغيّر ثيابه المهترئة والمتّسخة ، قفز
  • مسرعاً، بينما كانت أمّه تعدّ له طعام الغداء.
  • دخل بيت عمّه " قدّور "، وجد " سامحاً" 
  • محنيّاً على كتابة وظائفه ، فقال بسرعة :
  • - " سامح " أريدك أن تعلّمني كتابة اسمي .
  • رفع " سامح " رأسه نحوه ، وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه :
  • - تعلّم الكتابة صعب عليك .
  • - ولماذا صعب ؟!. هكذا سأل بحنق .
  • - صعب .. ثمّ ماذا ستستفيد إن تعلّمت كتابة
  • اسمك ؟!.
  • - سأستفيد ، سأتعلّم كتابة اسمك واسم أبي
  • وأمي و مريم وسميرة أيضاً .
  • ضحك " سامح " ، فاغتاظ " رضوان " وقد
  • أدرك شعور ابن عمّه بالتفوق عليه ، فأحسّ
  • نحوه بكرهٍ شديد ، غير أنّه وفي هذه اللحظة
  • لا يريد إغضابه ، وهو على أيّ حال قادر على
  • ضربه ، لذلك كبح حنقه :
  • - ماذا قلت ؟؟.. هل أنت موافق ؟.
  • هزّ " سامح " رأسه علامة الموافقة ، وبقيّ صامتاً يتطلّع إلى الأرض ، كأنّه يفكّر بشيء ما . 
  • - إذاً هيّا بنا .. تعال علّمني .
  • - لا .. ليس الآن ، سأعلّمك ولكن فيما بعد .
  • - ولماذا فيما بعد ؟!.. أنا جاهز الآن .
  • سأل بلهفة من فقد صبره .
  • - اسمع يا " رضوان " ، هناك فتى في صفّي
  • يزعجني كلّ يوم ، وأنا لا أقدر عليه ، أريدك
  • أن تنتظره عند باب المدرسة وتضربه .. هذا
  • هو شرطي ، لكي أعلّمك ، فما رأيك ؟ .
  • صرخ " رضوان " دون تفكير ، فلقد شعر
  • بالنشوة والاعتزاز بنفسه ، " فسامح " يعترف
  • بقوته ، بشكل غير مباشر :
  • - طبعاً أنا موافق .. حتّى من غير أن تعلّمني
  • ، فأنت ابن عمي ، أنا على استعداد لقتله نهائياً من أجلك .
  • عاد " رضوان " إلى بيته ، وهو يفكر :
  • - (( سوف أجعله عبرة لكلّ الطلاب الذين لا
  • أحبّهم ، فأنا قويّ ، الجميع يشهد لي بذلك ، وكلّ من يدرس يحسدني على قوّتي .)) .
  • في اليوم التالي ، وقف " رضوان " قرب
  •  المدرسة ، ينتظر وهو متفائل بقدرته على سحق خصمه ، ولذلك فهو لم يحمل معه سلاحاً ، كان يهمس في سرّه :
  • - (( سأعاركه بيديّ ، وإذا لزم الأمر سأشقّ رأسه بالحجارة . )) .  وكان يتخيّل كيف أنّ " سامحاً " سيحسدّه على قوته ، ويعرف أنّه بدونه لا يساوي شيئاً.
  • بدأ الطلاب يخرجون ، فأخذ يحملق فيهم واحداً واحداً .. ولاح له " سامح " يرتدي صدريته ويحمل حقيبته، ولمّا اقترب 
  • منه كان وجهه مصفراً ، فدنا منه وهمس:
  • -" رضوان ".. أنا خائف .
  • فصاح " رضوان " بصوت مرتعش :
  • - ولماذا تخاف ؟؟!! .. أنت دلّني عليه فقط .
  • فقال " سامح " بصوته المضطرب :
  • - سيعرف أنّك ابن عمّي ، وسيقدّم شكوى بحقّي للأستاذ .
  • - لا عليك .. لن أجعله يعرف من أنا .. سأتبعه
  • إلى أن يبتعد، ثمّ أنقضُ عليه وأرميه مثل الكلب فوق التراب .
  • ابتعد " سامح " كالمذعور وهو يهمس:
  • - لقد جاء .. ها هو ، ذاك الذي يحمل حقيبة
  • سوداء كبيرة .
  • نظر " رضوان " حوله، فشاهد عدداً كبيراً من التّلاميذ متشابهي الثياب ، غير أنه
  •  عرف خصمه من بينهم ، صاحب المحفظة السوداء ، وعندما اقترب منه ، وجده أطول قامة ، وتظهر في وجهه علامات القوّة والشقاوة، تبعه " رضوان" بينما كان"سامح " يبتعد ، وهو ينظر خلفه ، بين اللحظة والأخرى .
  • دخل الخصم في زقاق جانبي ، وأخذ يسرع خطاه ، عندما عاجله " رضوان " بصرخة قويّة :
  • - توقّف ياكلب .. توقّف عندك .
  • التفت ذو المحفظة السّوداء مستغرباً ،
  • فرأى " رضوان " مسرعاً نحوه وهو يصرخ :
  • - نعم .. أنت .. توقف ، سوف ألعن أباك .
  • وفور وصوله هجم عليه ، مسدداً ضربة
  • قوية على وجهه ، فحمل هذا محفظته ، وهوى بها على وجه " رضوان " فتدفق الدّم
  • من أنفه غزيراً ، فجنّ جنونه .. وزعق :
  • - سأفعل بأمك يا ابن ال ....
  • والتقط حجراً كبيراً وقفذف بها خصمه،
  •  الذي تفاداها ببراعة ، واشتبكا بقوة ، وكلّ يحاول أن ينتف شعر الآخر ، بينما دم " رضوان " يسيل على وجهه ، والتفّ الصبية يتفرّجون على المشهد المثير ، ومن بعدٍ لمح
  • " رضوان " ابن عمّه " سامحاً " واقفاً يراقب
  •  المعركة ، فشعر نحوه بالحقد ، كيف يقف هكذا دون أن يساعده ، فهذا الخصم قويّ لا يستهان به ، وندم لأنّه لم يأت معه بسلاح ،
  •  وأصابه الخجل عندما استطاع خصمه أن يلوي له ذراعه ، لا بدّ أنّ " سامحاً " يسخر منه الآن ، يده تكاد تكسر تحت ثقل الضغط
  • ، ففكر أن يستغيث " بسامح " ، ولكن قوته المزعومة ستهتز حقاً في نظر " سامح " ..
  • تألم كثيراً ولكنّه استطاع في اللحظة الأخيرة أن يصرخ :
  • - اترك يدي ياابن السافلة .. لقد كسرتها .
  • ولم يكد يكمل عبارته حتّى جاءته ركلة
  •  على مؤخرته ، تحرّرت يده وركض يبحث عن حجر ، لكنّه وجد صاحب المحفظة ينحني على الأرض ، فانطلق يعدو وخلفه خصمه ، وهو يهتف :
  • - توقّف يا جبان .. سألعن أباك .
  • حول سور المدرسة قعد " رضوان " حاملاً في طيات نفسه ذلّه وانكساره ، لقد
  • هزم .. ياللفضيحة ، وكان يتساءل :
  • - (( كيف سأقابل " سامحاً " ؟. وماذا سيقول
  •  هذا الوغد " لسميرة " ، التي أتظاهر أمامها دائماً بالقوة ؟؟ .. اللعنة عليك يا " سامح " ، هل نصبت لي فخاً ؟!؟!.. هل كنت
  • تعرف مدى قوة ذلك السّافل ؟؟.. ودفعتني لأتعارك معه ؟ .. أكنتَ تمتحن قوتي ؟!.. أم
  • كنت مخدوعاً بقوتي مثلما كنتُ أنا مخدوع 
  • .. ولكنّي سأريك قبل أن أري خصمي ، بأنّي
  • لست جباناً .. فإن هربت اليوم ، فذلك لأنّي
  • متعب من العمل ، في الغد سأحتال على أبي
  • وأبقى في البيت ، وآتي إلى المدرسة ، قسماً
  • سأهشّم رأسه ، سأضربه حتّى الموت .. فلا
  • تسخر منّي ياوغد ، وإياك أن تذكر شيئاً أمام
  • أختك " سميرة " .
  • ما كان عليّ أن أهرب ، كان عليّ أن أحمل
  • سلاحاً ، وأن أجد حجراً ، بدل أن أهرب .. اللعنة على الحجارة ، حين نحتاجها لا نجدها
  • .. ما أبشع الهزيمة ؟!.)) .
  • ظلّ " رضوان " هكذا متوارياً ، يفكّر ..
  • وها قد حلّ الظّلام ، ولا بدّ له أن يعود ، قبل
  • أن يتفقده أبوه .
  • وفي اليوم التالي ، استطاع " رضوان "
  • أن يحتال على أبيه ، ولم يذهب إلى الشغل،
  • نهض من فراشه متّجهاً نحو المطبخ ، وأخذ
  •  يتفحّص السكاكين، فانتقى واحدة لينتقم بها لكرامته ويستعيد ماء وجهه من خصمه ، وبسرعة أخفاها وراء ظهره ، حين دخلت عليه أمّه سائلة :
  • - لمَ تركت فراشك وأنتَ مريض ؟ .
  • فهرب أمامها دون أن تلمح السكين ، إنّه لا يخافها على الإطلاق ، وهي أيضاً تتستّر عليه فلا تخبر والده بما يفعله . ولقد كتمت
  • أمر تدخينه السّجائر أمامها رغم تهديداتها
  • المتكررة .
  • كان عليه أن ينتظر ، ريثما يحين موعد
  • انصراف طلاب المدارس ، فقضى هذا الوقت
  • في محاولة تجربة السّكين في قطع الأشياء
  • ، وقام بالتدرّب عليها ، حيث يقفزها بقوة عن
  • بعد، فتعلق بأعمدة الكهرباء . لم يشأ أن يقابل
  • " سامحاً " ، أجّل ذلك ريثما يسترد كرامته ويحقق انتقامه ، وأقسم :
  •  - (( لو أنّي رأيته الآن ، وشعرت بأدنى بادرة منه على السّخرية والتقليل من شأني ، لكنت قتلته بالسكين فوراً . )) .
  • انصرف الفوج الأول ، وتدفق الأولاد مندفعين مبتهجين لاستعادتهم حريتهم ، فأسرع إلى زقاق معركة الأمس ، مصمماً على الانتقام ، في نفس المكان الذي شهد انهزامه ، حتّى لا يشعر بالخجل والعار كلّما
  • مرّ به .
  • وقف عند الزاوية مترصداً الذاهبين والقادمين ، إلى أن برز خصمه قادماً من بعد
  • ، خفق قلبه في حين اشتدّت قبضته على السكين .. اختبأ عند المنعطف محدثاً نفسه :
  • - (( سأباغته بطعنة في بطنه .. وأهرب .)).
  • حينما اقترب ذو المحفظة السّوداء ، وصار بمحاذاة المنعطف ، برز له " رضوان " شاهراً سكّينه بيده ، انتبه الولد لهذه الحركة
  • السّريعة ، فتجمّد مكانه لا يعرف ماذا يفعل ،
  •  فسارعه " رضوان " بهجمة تريد أن تصل بطنه بطعنة خارقة ، وقبل أن يصل إليه ، انقضّت يد جبّارة لرجل شاهد " رضوان " يمشي خلف خصمه ، ولكنه لا يدري كيف غفل عنه .
  • زعق الرجل وهو يشد بقوة يد " رضوان " :
  • - ارمِ السّكين على الأرض ياكلب .. كدت تقتل ابني .
  • سقطت السكين .. وصرخ " رضوان " :
  • - دخيلك ياحجي .. اتركني .
  • في تلك اللحظة شاءت الأقدار أن ينعطف
  • " قدور .. أبو سامح "، في هذا الزقاق ، ويبصر ابن أخيه، فركض نحو الرجل صارخاً:
  • - " تترجّل " على ولد ياجبان .
  • - سألعن والده .. كاد يقتل ابني .
  • لم يحتمل " قدور " وسدّد قبضة قويّة على عين الرجل ، فترنّح الرجل بينما كانت
  •  يده تضغط مكان الضّربة ، وبدأ الصّياح ، فالتمّ الأطفال حول المتشابكين ، وفتحت النساء الأبواب وبدأن بالصراخ .
  • وفجأة .. وبسرّعة فائقة .. انحنى الرجل
  •  والتقط سكين " رضوان " وقبل أن يتفاداه العم " قدّور " ، كانت السّكين قد استقرّت في بطنه ، تعالت الأصوات .. والصرخات ..
  •  من كلّ صوب ، بينما كانت عينا العم شاخصتين ، لقد أذهلته المفاجأة ، وانطلق الرجل القاتل يعدو .. ومن خلفه ابنه .. ووقف " رضوان " يبكي ، لا يعرف كيف يتصرّف ، ولم يتحرّك إلاّ بعد أن خرَّ عمّه على الأرض ، فأخذ الطفل " رضوان " يركض
  • صارخاً :
  •  - لقد قتل عمّي " قدّور .. عمّي مات .
  • مصطفى الحاج حسين .
  • حلب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق